|
خصوصيات عراقية
نــــــــــزار حيدر
جاء موضوع السجال الدائر حاليا في العراق ، حول الدعوة لإجراء الانتخابات،
لتشكيل المجلس التأسيسي المرتقب ، مناسبة، ليثير الكثير من المخاوف ، بشأن
إحتمالات تكرار تجربة الحكم الديني على الطريقة الإيرانية ، خاصة ، وأن من أبرز
الذين يتبنون نظرية الانتخابات ويصرون عليها،هو المرجع الديني الأعلى المقيم في
مدينة النجف الاشرف، آية الله العظمى السيد علي السيستاني ، من جانب ، وكون الأكثرية
في العراق ، وهم الشيعة ، أعلى الآخرين صوتا في تبني الدعوة .
إن الكثير ممن يرفض فكرة الانتخابات المبكرة ، سواء من الساسة العراقيين أو
من قادة التحالف الاميركي ، لا يقصدون برفضهم ، أصل الفكرة ،التي لا يختلف عليها
إثنان، على إعتبارها من أبرز مصاديق أية ديمقراطية في العالم ، كما أنهم لا
يرفضونها لاستحالة تنفيذها ، وإنما يعنون برفضهم ، من يقف وراءها ويتبناها ، لدرجة
، أني سمعت بعض من تحدثت إليه منهم ، يقول ، إن القبول بالفكرة ، يؤسس لسابقة
خطيرة في العراق الجديد، ولمنهج خاطئ لا يجوز التورط فيه،لان أي تنازل لصالح
الفكرة ،هو تنازل للسيستاني ـ النوعي ـ، ما يعني منحه حق الوصاية بامتياز على
الحياة العامة ، والذي يعني ، فيما يعني ، تمكين علماء الدين من أن يلعبوا الدور
الأول والأساس في الحياة السياسية العراقية الجديدة .
ويضيف بعضهم ؛ لو جاءت الفكرة من غير علماء الدين ، لأمكن دراستها وربما الأخذ
بها وتنفيذها ، أما وقد نطقت بها المرجعية الدينية ، فمن غير الممكن أبدا ، حتى
مجرد التفكير بها ومناقشتها ، فضلا عن الأخذ بها والتنازل عن بقية الطروحات ، لأنها
ستمنح المؤسسة الدينية ، وصاية وقيمومية وحق النقض ـ الفيتو ـ على كل المجريات
السياسية في العراق الجديد ، ما يعني تعبيد الطريق لتكرار التجربة الإيرانية في
الحكم الديني من جديد، وهل يعقل ذلك ؟ يتساءلون بعصبية .
فما مدى صحة هذا الكلام ؟ ، وما هو مدى صحة مثل هذه المخاوف ، التي أثارتها
دعوة السيستاني للانتخابات ؟ .
شخصيا ، لا أخفي تفهمي لبعض هذه المخاوف ، وتعاطفي معها ، ربما لحد التبني
، لأننا ، وبصراحة ، لا نريد أن نرهن العراق الجديد وشعبه بيد رجل واحد ، مهما كان
موقعه الاجتماعي ، لان ذلك يتناقض كليا مع مبادئ الديمقراطية ، كما يتعارض مع
نظرية الشورى التي يتبناها الإسلاميون المتنورون في العراق ، فهو نوع من أنواع
الاستبداد السياسي ، الذي يلغي الرأي الآخر وصوت المواطن ، بحجة وبأخرى ، لما
للفتوى الدينية من تأثير ساحر على الناس ، يصل في بعض الأحيان إلى حد الإقفال كليا
على العقل ، ومنعه من مجرد التفكير بحرية ، كما يلغي الإرادة .
ولكنني ، في نفس الوقت ، أرى أن هنالك تهويلا وتضخيما كبيرا في أغلب هذه
المخاوف ، خاصة ، عندما يقارن موقف السيستاني مع سلطة علماء الدين في التجربة الإيرانية
، والتي أجزم أن لا أحد يحب أن تتكرر ، بأية صورة من الصور، في العراق ، كونها
تجربة لا يحسد عليها أصحابها ، بعد أن فشلت في الصمود أمام تحديات الواقع الاجتماعي
الإيراني ، الذي تصوره المراقبون وقتها ، بأنه الأرضية المناسبة والخصبة لنموها واستمرارها
، بسبب عدم قدرتها على تطوير نفسها ذاتيا لتنسجم وتطورات الحياة ومتطلبات الزمن
الجديد .
وما أخشاه هنا ، هو التوظيف السيئ للتهويل والتضخيم المقصود لهذه التخوفات
، من أجل إجهاض الجهود الرامية للانتقال إلى الديمقراطية في العراق ، من خلال وضع
العصي في عجلة عملية التحول الديمقراطي ،التي تسير بشكل متنامي ، وإن كان بطيئا ،
والحيلولة دون تمتع الأغلبية بحقوقها السياسية ، من خلال تخويف الآخرين منها .
إن التهويل من مخاوف تكرار التجربة الإيرانية في العراق ، سببه الجهل بالفروقات
الجوهرية ، الكثيرة والكبيرة ، بين
البلدين ، بالإضافة إلى تجاهل الفارق الجوهري بين السيستاني، ـ صاحب فكرة
الانتخابات ـ والخميني، ـ قائد ومؤسس التجربة الإيرانية الفريدة ـ ، فلا العراق ،
إيران ثانية ، ولا السيستاني ، خميني آخر ، وذلك للفروقات التالية ؛ ـ
أولا ـ ليس في العراق أغلبية مطلقة ، لأية شريحة من شرائح المجتمع ، كما هو
الحال بالنسبة إلى المجتمع الإيراني ، الذي يشكل فيه الشيعة، النسبة المطلقة
تقريبا ـ أكثر من 96 في المئة ، حسب الإحصاءات الرسمية القديمة والحديثة ـ ، ولذلك
لا يمكن لأية شريحة من شرائح المجتمع العراقي ، المتعدد الشرائح دينيا ومذهبيا
وقوميا ، أن تستفرد بطروحاتها ومشاريعها وأجندتها السياسية للعراق الجديد ، ما لم
تتوافق عليها مع بقية الشرائح ، لأن العراق وتركيبته الاجتماعية المتنوعة
والمتعددة ، لا تسمح له بذلك ، ما يعني أن كل الشرائح يلزمها أن تعتمد مبدأ التنوع
والشراكة ، لبناء العراق الجديد ، المستقر والمسالم .
ثانيا ـ حتى الشيعة في العراق ، الذين يمثلون الأغلبية العددية ، حسب مختلف
الإحصاءات ، لا يتبنون نهجا سياسيا واحدا ، أو حتى منهجا مرجعيا واحدا ، ولذلك لا
يمكن حسابهم جميعا ضمن تيار واحد ، عند حساب تأثير التيارات السياسية في الساحة ،
وأن من الخطأ حسابهم جميعا ككتلة واحدة وصوت واحد ، مع تعدد الآراء والاجتهادات
والاتجاهات ، على عكس الحالة في إيران ،إبان الثورة على الأقل ، عندما اصطف الشعب
بكامله خلف الخميني ، لدرجة، أن الشيوعيين الإيرانيين تبنوا كذلك شعارات الخميني
في مواجهته لنظام الشاه ، الأمر الذي دفع بالناس إلى تسميتهم تندرا بــ ، ـ
الشيوعيين السائرين على خط الإمام ـ .
ثالثا ـ تعرف المرجعية الدينية ، كما تعرف غيرها من القوى الشيعية الأخرى
المؤثرة في الساحة ، أن في العراق قوى وتيارات قومية وليبرالية عديدة لا يمكن لأحد
تجاوزها أو تجاهل تأثيرها في الساحة السياسية ، فضلا عن فرض أجندات سياسية خاصة
ومحدودة ، بالرغم من أن موضوع الانتخابات ليست مطلبا شيعيا أو حتى إسلاميا فقط ،
بل إنه مطلب وطني عام تبنته ودافعت عنه مختلف شرائح المجتمع العراقي ، بغض النظرعن
انتماءاتها الدينية أو المذهبية أو القومية،أو حتى اتجاهاتها الفكرية والسياسية .
قد تتفاوت هذه التيارات، في تأثيرها وفاعليتها في الشارع العراقي ، إلا
أنها ، مع ذلك، تبقى ذات وجود وتأثير ،
حسب هوية التيار، ومناطق وجوده الجغرافي، ونوعية برنامجه السياسي ، وإن كان التيار
الديني، وعلى رأسه المؤسسة المرجعية الدينية، هو الأقوى ، ولكنه ليس الوحيد أبدا .
رابعا ـ إن تعاطي المرجعية الدينية في العراق ، بالشأن العام ، وإبدائها
لرأيها في القضايا السياسية،لا يعني بالضرورة ، أبدا ، الدعوة إلى إقامة نظام ديني
على طراز التجربة الإيرانية ، فهناك فرق كبير وشاسع بين الدعوة إلى احترام الدين ،
وآراء علمائه وفقهائه، في مختلف القضايا العامة ، وبين الدعوة إلى تبني نظرية
إقامة نظام ديني ، الذي يقوم على أساس واضح من الأجندة السياسية ، لا أعتقد أنه
يخفى على المعنيين والمتابعين ، فضلا عن القادة والسياسيين .
حتى أكثر التيارات المرجعية تطرفا في العراق ، نفت أن تكون قد دعت إلى
إقامة نظام ديني ، لا على أساس التجربة الإيرانية، ولا على أساس غيرها من التجارب
، فضلا عن السيستاني ، الذي عارض تدخل ـ رجال الدين ـ بالأمور التنفيذية بشكل
مباشر
، والاكتفاء بدور التربية والتوجيه والنقد والمراقبة .
لذلك ، فإن تعاطي العلماء والفقهاء والمراجع بالشأن السياسي العام ، هو من
باب ممارسة حقهم الطبيعي ، كمواطنين ، في المشاركة السياسية ، والتي يكفلها أي
نظام ديمقراطي قيد الإنجاز في العراق ، ليس أكثر .
خامسا ـ إذا كان الإيرانيون قد التفوا حول الخميني بصفته زعيما سياسيا ،
وقائدا لثورة شعبية ، ضمن سياق تاريخي طويل ، فأطاعوه في كل طروحاته السياسية التي
كان يتقدم بها إلى المجتمع الإيراني بكل فئاته ، فإن العراقيين لم يلتفوا حول السيستاني
، إلا بصفته مرجعا دينيا ، يشخص أفضل الطرق الممكنة لصيانة حقوقهم ، من الانتهاك
أو التجاوز، فهم لم يتبنوا مشروعه حول الانتخابات مثلا ، بصفته زعيما سياسيا ، أو
قائدا لثورة شعبية ، أو ما أشبه ، بقدر ما يعتبره العراقيون ، لسان حالهم في
المطالبة بحقوقهم السياسية ، في إطار دعوة الاحتلال لإقامة الديمقراطية في العراق الجديد .
إلى جانب ذلك ، فإن المرجعية الدينية في العراق، لم تتبن في طروحاتها
الفقهية، مطلقا ، نظرية ولاية الفقيه، التي أقام الخميني على أساسها نظريته السياسية، التي توجها بتأسيس النظام الديني القائم حاليا
في إيران .
بل إن المدرسة المرجعية، التي
ينتمي إليها السيستاني، وبقية المراجع
الدينية الحالية في العراق ، عارضت الخميني في مشروعه السياسي ، ورفضت تفسيره
لنظرية ولاية الفقيه المطلقة ، ولذلك فهي لم تذهب إلى ما ذهب إليه الخميني في سعيه
الحثيث لتأسيس الحكومة الدينية ، منذ إنطلاقته قبل نصف قرن تقريبا ، وعلى هذا الأساس
، إعتبرت مدرسة السيستاني المرجعية ، مدرسة محافظة بكل معنى الكلمة .
سادسا ـ وإذا كان الخميني قد قاد ثورة شعبية شاملة ضد نظام الشاه السابق ،
ما منحه الحق المطلق في التصرف بشؤون البلاد، وبلا منازع ، ـ حاله حال كل قادة
الثورات في العالم ـ من خلال ما كان يرسمه للآخرين من خطوط حمراء في العلاقة مع
الولايات المتحدة الاميركية، التي إعتبرها
الخميني الشيطان الأكبر ، فإن الأمر يختلف كليا بالنسبة إلى العراق.
فلا أميركا بمثابة الشيطان الأكبر من وجهة نظر العراقيين ، وهي التي
ساعدتهم على التخلص من نظام المقابر الجماعية ، الشمولي الديكتاتوري البائد ، ولا
السيستاني أو غيره ، قاد ثورة شعبية لوحدة أسقطت الحكم البائد ، ليتصرف لوحده في
رسم الخطوط الحمراء للآخرين، وبالشكل الذي
يراه مناسبا ، كما أن العراق لم يشهد، بالأساس، ثورة شعبية أطاحت بالحكم ، ليتصرف قادتها كيف
يشاؤون ، ولكل ذلك ، فإن إستحقاقات الحالة العراقية، تختلف كلية عن إستحقاقات الحالة الإيرانية آنئذ
، فليس في العراق طرف واحد، يرسم حدود
الخطوط الحمراء في الخارطة السياسية والاجتماعية الجديدة ، كما أنه ليس في العراق
مؤسسة واحدة فقط ، يحق لها أن تتصرف كيف تشاء ومن دون منازع ، أبدا .
قد
يختلف الدور والتأثير ، إلا أنه لن ينفرد أبدا .
وإذا كان الخميني هو اللاعب الأول والأخير في الساحة الإيرانية ، إبان
التغيير الذي شهدته إيران في العام 1979 ، وهو الذي كان يحدد لوحده الخطوط الحمراء
للآخرين الذين لم يكن من حقهم أن يتجاهلوها ، فضلا عن تجاوزها، وإلا واجهوا السقوط
، وبشأن كل القضايا السياسية ، فإن السيستاني ، أو أية قوة دينية أو سياسية أو إجتماعية أخرى في العراق ،
ليس هو اللاعب الأول والأخير، وأن الجميع يدركون، بمن فيهم المرجعية الدينية ، أن عليهم أن يحترموا أصول اللعبة ، فلا يتجاوزوا
الخطوط الحمراء،التي إرتسمت في خارطة العراق الجديد ، بالتوافق فيما بين الجميع ، من
جانب، وبينهم وبين الولايات المتحدة الاميركية، وحليفاتها ، من جانب آخر ، ولقد
رأينا ماذا حل بمن حاول تجاهل الإشارات الضوئية الحمراء ، المنصوبة على طول الطريق
، عندما صعد، أكثر من اللازم، سقف مطاليبه
السياسية ، في مسعى منه لاستغلال الظرف الطارئ وإبتزاز الآخرين .
سابعا ـ وإذا كان الخميني قد حرم على أتباعه والملتزمين بنهجه السياسي ،
التعامل مع الولايات المتحدة الاميركية ، كونها العدو اللدود للشعب الإيراني ، وأن
العلاقة معها تشبه إلى حد بعيد علاقة الذئب بالحمل الوديع ـ على حد وصفه ـ ، فإن
العمامة الشيعية العراقية دخلت البيت الأبيض من دون إحراج ، كما أنها جابت أروقة
المؤسسة السياسية الاميركية منذ مطلع العقد الأخير من القرن الماضي ولحد الآن ، ما
يعني إنفتاحها على العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية ، من جانب ، وعدم تأثرها
بالاستراتيجية السياسية للنظام الديني في إيران
، من جانب آخر .
أضف إلى ذلك ، فإن للعلاقة بين العمامة الشيعية العراقية، والولايات
المتحدة الاميركية، تاريخ إيجابي طويل ،
يعود إلى أيام الاحتلال البريطاني للعراق مطلع القرن الماضي ، عندما تبادلت
المرجعيات الدينية آنئذ ، وعلى رأسها قائد ثورة العشرين الإسلامية التحررية ،
المجدد الشيخ محمد تقي الشيرازي ، الرسائل السياسية مع زعماء البيت الأبيض ، وعلى
رأسهم الرئيس الاميركي آنئذ ، ويلسون ، والتي دعتهم فيها إلى التدخل لصالح إنتزاع
حقوق العراقيين من المحتل ، من خلال دعوتهم البيت الأبيض لممارسة الضغط على
بريطانيا العظمى آنذاك للوفاء بتعهدها الذي قطعته على نفسها في منح العراقيين
الاستقلال الكامل ، مرورا باللقاء التاريخي المشهور الذي جمع بين السفير الاميركي
في بغداد ، نهاية الخمسينيات من القرن الماضي ، والمرجع الديني الأعلى آنذاك السيد
محسن الحكيم ، والذي إستقبله في بيته في مدينة النجف الاشرف .
إن كل
ذلك وغيره الكثير من الشواهد ، يشير إلى أن المرجعية الدينية في العراق تختلف
جذريا في إستراتيجيتها السياسية ، بشأن العلاقة مع دول المجتمع الدولي ، وعلى وجه
الخصوص الولايات المتحدة الاميركية ، عن تلك التي تبناها الخميني ، والذي كان ،
منطلقها ، ولا يزال ، في رسم هذه الاستراتيجية ، هو الانفتاح في العلاقة ، بما
يضمن إنتزاع حقوق العراقيين ، من المحتل مطلع القرن الماضي ، وللمساعدة في التخلص
من النظام الشمولي البائد مطلع هذا القرن ، وللمساعدة في بناء النظام الديمقراطي
في العراق الجديد ، حاليا .
كما تؤكد كل هذه الوقائع ، على أن المرجعية الدينية في العراق ، تفكر وتخطط
بطريقة مستقلة ، لا تتأثر بإيحاءات خارجية أبدا ، وهي التي ظلت المرجعية العليا في
كل الظروف ، ومنذ أكثر من ألف عام ، حتى في العصر الذهبي الذي مرت فيه الجارة
الشرقية إيران بقيادة الخميني ، طوال الفترة الزمنية الممتدة من ـ 1979 لغاية 1989
ـ .
تأسيسا على كل ذلك ، لا أرى أية أوجه شبه في المقارنة بين العراق وإيران من
جانب ،
والسيستاني والخميني من جانب آخر ، والتي يسوقها المتخوفون من دور المرجعية
الدينية في العراق الجديد ، ربما لحاجة في نفس يعقوب يريدون قضاها ، لا أدري .
إن رؤية الصورة كما هي ، وقراءة الواقع كما هو ، من دون تهويل أو تضخيم ،
يقلل من الأزمة ، ويقدم خدمة تاريخية كبرى ، للعراق والعراقيين .